التبرع لـ “تحيا مصر” .. صدقة أم زكاة مال !

التبرع لـ “تحيا مصر” .. صدقة أم زكاة مال !

2014-635441651701093820-109

جريدة الاهــــــــــــــرام:

في ظل المبادرات والمساهمات في صندوق «تحيا مصر»، ومسارعة كثير من المواطنين إلي التبرع دعما للاقتصاد وإنقاذا للبلاد من أزمتها الراهنة، وردت تساؤلات عديدة حول حكم التبرع للصندوق وهل تحتسب من أموال الزكاة التي حددت الشريعة الإسلامية مصارفها أم أنها صدقة تطوع ؟ وهل هذا التبرع واجب علي القادرين ماليا من رجال الأعمال أم انه عمل تطوعي يثاب فاعله ولا يأثم تاركه؟..

تباينت آراء علماء الأزهر حول حكم التبرع، فقد أفتي بعض الفقهاء بأن التبرعات تحتسب من أموال الزكاة ، بينما يري البعض الآخر أنها فريضة علي القادرين، وأنه يجوز للحاكم جمع الأموال من الأغنياء إذا عجزت ميزانية الدولة عن الوفاء باحتياجات الفقراء .وذهب رأي آخر إلي أنها تعد من صدقات التطوع التي يثاب فاعلها ، واتفق علماء الأزهر جميعا علي أن دعم هذا الصندوق واجب ديني ووطني علي جميع القادرين .

 

يقول الدكتور علوي أمين أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، إنه يجوز تعجيل الزكاة ودفعها لهذا الصندوق، كما فعل الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم، عندما احتاج بيت المال للمال، فأمر العباس بأن يعجل زكاة المال، وإذا كانت مصر في حاجة للمال، أضعها تحت مصرفين من مصارف الزكاة، وهما: في سبيل الله والغارمين، وذلك لأن مصر الآن في حاجة للبناء وسداد الديون، من خلال إقامة مشروعات كبري تعود بالخير علي الفقراء والمحتاجين ومحدودي الدخل، وهذا يتطلب أن نتعاون جميعا في هذا الأمر، وهو واجب علي كل المصريين مسلمين ومسيحيين، وكل فرد من أفراد المجتمع يستطيع المشاركة، كل علي حسب استطاعته، فالإسلام يأمر ببناء الأوطان ونهضتها، وهذه الظروف الصعبة التي تمر بها مصر حاليا، تحتاج لمزيد من التعاون والتكاتف والعطاء من جانب القادرين ورجال الأعمال، ولابد أن يكون واضحا أن الخير الذي سيعود من المشروعات الكبري، سينعم به جميع المصريين، وهذا يعني ضرورة الإسراع بالمشاركة بحب وإخلاص لمصلحة مصر، فالهدف هنا هو رفعة الوطن، وعلينا جميعا أن نقف صفا واحدا لتحقيق هدف واحد وهو النهوض بمصر التي تستحق منا الكثير.

فريضة علي القادرين

ويري الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن مصر تمر بأزمة اقتصادية طاحنة, إلي الحد الذي جعل غير أهلها يمدون يد العون إليها, وأولي بأهلها أن يقدموا ما به قوام حياة الكثيرين من أفراد مجتمعهم, وليس هذا من التبرع أو صدقة التطوع أو زكاة المال, بل هو فريضة اتفق فقهاء السلف والخلف علي أن يبذلها القادرون من أفراد المجتمع، إذا عجزت ميزانية الدولة عن الوفاء بالحاجات الضرورية لأفراده, وقال الغزالي» إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي، فيجوز للإمام أن يوظف علي الأغنياء مقدار الكفاية»، وقال ابن حزم: « فرض علي الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان علي ذلك, إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين بهم, فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه, ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك, وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة » .

وأضاف: إن صندوق «تحيا مصر» هو أحد وجوه دعم اقتصاد الدولة, وأن فراغ الخزينة مما تشبع به حاجات المحتاجين, وهم من الكثرة بمكان, وهذا الفرض لا يكون إلا علي القادرين, وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تدل علي فرضية ذلك, لعل منها، حديث أبي سعيد الخدري أن النبي، صلي الله عليه وسلم، قال «من كان له فضل زاد، فليعد به علي من لا زاد له، ومن كان له فضل ظهر، فليعد به علي من لا ظهر له», فذكر من أصناف المال ما ذكر, حتي رأينا أنه لاحق لأحد منا في فضل», ولذا فإن القواعد الفقهية السابقة تجد السبيل لإعمالها حينئذ, ولن يتحقق ذلك إلا إذا قام القادرون من أفراد المجتمع بحقوق بعضهم, من تقوية الضعيف وإعانة ذي الحاجة .

تطوع

من جانبه يري الدكتور رأفت عثمان عضو هيئة كبار العلماء وأستاذ الفقه بكلية الشريعة، أنه من المعهود في أحكام الشريعة حث الناس علي التطوع بالأعمال زيادة علي المفروض عليهم، سواء كانت هذه الأعمال في مجال العبادات أو المعاملات، ففي مجال العبادات مثلا، نجد أن الأحكام الشرعية لا تقتصر علي تكليف الناس بأداء الصلوات الخمس، بل حث الشرع الناس أن يستزيدوا من فضل الله عز وجل، فشرعت النوافل، وكذلك نجد هذا الأمر في الصيام، فمع أن الفرض علي الإنسان صيام رمضان، لكن نصوص الشرع بينت أيضا الاستزادة من طلب الثواب في صيام التطوع، وفي مجال الزكاة فإن نصوص الشرع حثت علي الاستزادة في الأمل في ثواب الله عز وجل عن طريق التطوع بالصدقات، زيادة علي الزكاة المفروضة علي الأموال، وهكذا نجد هذا المنهج في معاملات الناس المتنوعة، ولعل ما يبين ذلك قول الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم « رحم الله عبدا سمحا إذا باع وسمحا إذا اشتري وسمحا إذا اقتضي» .

وأضاف: إنه إذا لاحظنا هذا المنهج في التشريع في مساندة الدولة في هذه الظروف الصعبة، من خلال التبرع لصندوق « تحيا مصر»، نجد أن المجال مفتوح أمام من يرغب في الفضل، فمع أن الزكاة المفروضة قد حددت مصارفها الآية الكريمة « إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «، إلا أن التطوع بالمال يثاب عليه الإنسان إذا تطوع به في غير مصارف الزكاة، ونوي أن ما يتبرع به سوف يساعد الدولة في القيام بواجبها في خدمة الناس، في جميع المجالات مثل الصحة والتعليم، وغيرها من واجبات الدولة الخاصة بتحسين حياة كل أفراد الشعب، وذلك لأن النية هي التي تفرق بين العادة والعبادة كما قال العلماء، فكل عمل يقصد به الإنسان وجها من وجوه الخير، فإن لصاحبه الأمل في ثواب الله عز وجل، أليس من النصوص التي وردت عن رسول الله قوله صلي الله عليه وسلم « حتي اللقمة يضعها الرجل في فم امرأته له بها صدقة»، النتيجة من كل ذلك أن أي إنسان قادر علي التبرع للدولة بنية مساعدتها في واجباتها له الأمل في ثواب الله عز وجل، مع التأكيد أن التبرع لمساندة الدولة يدخل في مجال التطوع بالصدقات وليس محسوبا من الزكاة

Facebook Comments

‎إضافة تعليق